"الثورة اليتيمة"
إنّني منذ الثورة ودروسها العظيمة تعلّمت ألّا رابطة بيني وبين أيّ شخصٍ آخر سوى إحدى رابطتين، الرابطة الإنسانية والرابطة الدينية، الأولى عامة تكون بها الرحمة لكل إنسان، والثانية خاصّة ويكون بها الولاء لكل مسلم.
نحن نقول متصنّعين ومدّعين للمثالية: الخلاف لا يفسد للودّ قضية، ونقول: الاختلاف لا يعني الخِلاف.
ذاتَ ثورة، اختلفت آراؤنا، وتمايزت مواقفنا، ففسد ودنا.
هل هذا تناقض! لا أعلم... ربّما!
ربّما كان ولاؤنا لمبدئنا وتمسّكنا به أقوى من تمسّكنا بالأشخاص.... ربّما كان البعض وطنياً أكثر من كونه مواطناً!
كنتُ في الثانوية، أوائل سنيّ الثورة السورية اليتيمة، وكان هناك طالبة موالية للنظام السوري الذي عثى في الأرض الفساد، تذبّ عن حماه بما أُوتيت من وطنية موهومة، وتقدح في المعارضين بما تخلّقت به من بذاءة لسان وصفاقة، حيثُ كان ينقل على لسانها أنها تشتم الثوّار ونحو ذلك، وأعترف أنّني لم أكنْ أطيق رؤيتها، بل ذاتَ صباح شتوي بارد كنتُ أمشي مع صديقة لي في فناء المدرسة، وكنّا نحتسي القهوة الساخنة، فاصطدمت فيّ أو اصطدمتُ فيها، فانسكب عليّ كأس القهوة، بالعادة لا أهتمّ لمثل هذه الأخطاء غير المقصودة، وربّما ضحكت، لكنني ذلك اليوم قلت لها بكلّ حقد غرسته في أعماقي مشاهد الربيع العربي، القاحل الجاف، الذي تساقط فيه أفراد بلدي شهداء وجرحى ومكلومين ومعتقلين وفاقدين ومفقودين، في ذلك الحين أبصرت فيها من مشاهد الثورة اليتيمة ما أبصرت فقلت لها: أكرهك! ولم أكن وإلى الآن، ممن يصنّف الناس أو يكره الأشخاص، إنما أكره تصرفاتهم المخلّة لا ذواتهم، لكنني في ذلك اليوم، وعموماً حين كنتُ أرى ذاك الصنف من الإنسان، الذي انسلخ من إنسانيته ورحمته وضميره ولم يبق فيه من صفات الإنسان إلا الجلد والعظم ...أولئك، أنصار الظلمة، الوحوش الكاسرة التي ترتدي أقنعة بشرية، حين أراهم تمطرني ذاكرتي بوابل من الصور فلا أملك أن أمنع قلبي أن يفيض بالكره،
وعلى سيرة الوحوش، لا بدّ أن أذكر هنا أنه اتضح لي بعد تقدّم الثورة في السن وتأخر البشر في الإنسانية، اتضح لي أنّ في أعماق كل كائن بشري وحش ما، سيخرج في وقت ما!
تلك الوحوش البشرية، كأنني أرى فيهم صورة جثث مئات الأطفال مطمئنة جوارحهم في الأكفان البيضاء، يرتقون جموعاً إلى السماء بلا أدنى أسف على الدنيا وأهلها، كأنني أشاهد مذبحة درعا وحماة وحلب والدير وإدلب و.و.. و و.! ... وسورية كلها! كأنني أشاهد صور الشهداء مبتسمين يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، كأنني أشاهد عيون الدم الحارّ تتفجّر وتتدفق من أجساد السوريين الممزقة المرماة بإهمال في الشوارع، كأنني أشاهد قطع اللحم البشري المبعثرة على أرصفة بلادي، عدد الأعداء بعدد القتلى، فذاك قتل بسلاح الطاغية، الذي يرمي به "حماة الديار" الجيش الوطني السوري المقدام! أما ذاكَ فقد قتل بسلاح ذاك الفصيل، وتلك الجثة الملقاة هناك قتلت تحت راية لا إله إلا الله وبذريعة الإسلام والإسلام منهم برئ، لكنّ الغبنة والمشهد المروّع ذاكَ.. ذاكَ الذي قتل بسكّين أخيه! أرى فيهم صورة القذيفة تهوي على منزل أسرة سورية مطمئنة هادئة البال فلا تبقي بعد نزولها ولا تذر! كأنني أشاهد حمزة وقد مُثّل بجثته والقاشوش وقد استئصلت حنجرته والرضيعة هاجر... وقد فُقعت عينها فلم أعد أستطيع أنا أن أرى أي مشهد للإنسانية بعدها، ثم حلّقت روحها شهيدة، وطارق وقد بترت ساقه وخالد العيسى شهيداً جميلاً وتلك الطفلة التي ماتت غافية وفي حضنها دميتها، وعمي الشاب الذي أحرق نبأ استشهاده روحي وأرّق عيني و.. و... و.. و.. و..و وتطول قائمة الشهداء، كأنني أشاهد المهجّرين غرقى على ضفاف البحر وقد نفتهم الأرض ونفاهم البحر، ولم يحتفِ بأرواحهم سوى السماء... كأنني أشاهد المعتقلين خلف القضبان يستغيثون من هول ما يلقون ولا مجيب، كأنني أشاهد جموعاً شاخصة أبصارهم نحو السماء: "مالنا غيرك يا ألله" فيستهدفهم العسكر بعتاده ويبيدهم عن بكرة أبيهم! كأنني أشاهد ما لا أستطيع قوله من مشاهد التعذيب التي سمعت بها وتمنيتُ لو أنّ المنايا صافحتني قبل ذلك، تلك الصور تعاتبني...تعاتبني كثيراً... مررت بفترة صرتُ أقرف فيها من بشريتي، من نفسي، من عروبتي، من شعبي، مِن مَن حولي، من الخلاف، من مستثمري الثورات وقتلة الأبرياء، من الحكام، من الهيئات، من الشعارات والقرارات والخطابات، والأخبار، والإعلام.. والناس أجمعين!
تلك الحرب، اغتالت الكثير من البشر، الكثير من الطموحات، الكثير من الأحلام، وأعظم مصيبة أنها اغتالت الإنسانية والرحمة ... صارت القلوب كالحجارة بل أشدّ قسوة! تلك الحرب اغتالت الإنسان واغتالت الإنسانية... صار الناس يشاهدون الدم السوري يتدفّق ساخناً من الصور، يشاهدونه بدم بارد، يرى أحدهم الجثث فلا يتمعّر وجهه أو يغضب قلمه أو ينتفض أدنى انتفاضة... ولو بقلبه! وذلك أضعف الإيمان، أجل... بلغ بنا الحال ذلك، تلك الحرب البشعة، استوى فيها العدو والصديق، وأصبح التغيير المستقل فيها للمصلحة الذاتية... والمبادئ والأفكار والمعتقدات وربما الدين.. تبعاً لتلك المصلحة!
يقول الشيخ النابلسي:
"أقدم مفهوم وطني في الإسلام: قول الرسول صلى الله عليه وسلم في أول خطاب له عندما دخل المدينة - وقد كان فيها أوس وثنيون وخزرج وثنيون وأوس مسلمون وخزرج مسلمون، وفي المدينة يهود ونصارى وأعراب وموالي، مجتمع فسيفسائي - : "أهل يثرب أمّةٌ واحدة، سلمهم واحدة وحربهم واحدة".
نحن نتّحد حينما ننطلق من مفهوم المواطنة مبدئياً.
الآن في هذه الأزمات العصيبة طرح القضايا الخلافية جريمة بحق الأمة، الذي يجمعنا أكثر بكثير مما يفرّقنا.
لو افترضنا أن الحق شمس والباطل ظلام دامس فإن الذي يعمل في الظلام الدامس ينتصر على النائم في الشمس.
المفهوم الإنساني: وقف النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة يهودي، قالوا هذا يهودي، قال: "أليس إنساناً؟".
أليس يقال: ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا!
أنا الآن برغم قرفي من أنصار الظلمة وأعوان الطغاة وأولياء الشياطين، أقول برغم ذلك سورية اكتفت! اكتفت ظلماً وقهراً ودماً..
تقول شقيقتي معللةً هذا: أن هذه الأمور لم تعد ذات قيمة، لم تعد مهمة! لأننا لم نعد نعرف السيء من الجيد، وأنها مع البلد، مع الحق، مع لا إله إلا الله.
حقاً، الحبّ يجمعنا والسياسة تفرّقنا.
أهلكنا الخلاف، قتلتنا الفرقة، سحقت ما تبقّى فينا من رحمة، سوّدت بياض قلوبنا، خلّفت صور الأشلاء وراءها بروداً نحو الظالم وظلمه وأعوانه، نحو براكين الدم التي تتفجر من الأجساد في كلّ ناحية من نواحي بلدي، خلّفت أنانية طاغية أغرقت البشر في مستنقع المصالح الآسن.... كل ينادي نفسي نفسي في الدنيا وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة! ويحنا ما نفعل في الآخرة؟! 💔
وإذا تحدثت عن الأحزاب والفصائل والجماعات والجيش.. بل الجيوش! آه ماذا أقول، وماذا عساي أن أقول سوى أن اللهمّ أرني الحقّ حقاُ وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه.
كأنك حين تتفكر بتكاثر الفتن في هذا الزمان تسقط الدنيا من قلبك، وتتصدر قائمة أمانيك التي تلهج بها بين يدي الله سائلاً إياه القدرة على تحقيقها، تتصدرها أن : "تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ".
والله المستعان....
لا إله إلا هو.
تعليقات
إرسال تعليق